الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

[ معركة الشوي والعائلة النجدية ]





[ معركة الشوي والعائلة النجدية ]

لدي إيمانٌ قاطع بأنّ البيئة تتدخل في تشكيل شخصيات سكانها ، فمثلا لا أستغربُ شدّة وغلظة سكان الصحراء وحذرهم من الغريب ولا لطافة سكان البحر ولا إلف أهل العواصم للغرباء. كذلك لدي إيمان أقوى من سابقه بأنَّ سكان البيئة الواحدة تتشارك في كثير من عاداتها وتقاليدها بل وتفاصيل حركاتها وتفكيرها.

في مساء يوم الإربعاء على الساعة التاسعة تقريبًا وصلت مع أخي وعائلته إلى أهلي الذين سبقونا بيوم إلى الشرقية ، دخلت الشاليه وأنا أتذكر الوعد الذي أعطيتهم إياه بعد سؤال أخي لي بينما كنا في الطريق إليهم وهو يخوض مفاوضات بخصوص العشاء

: هاه بتشوي لأهلي ولا لا ؟

 أخذت أقلب المعطيات في عقلي وأحسب أخماسها مع أسداسها فالمعطيات لا ترضي والبدائل كارثيّة .. فآثرت الجواب بالإيجاب وربّ كلمة ( جابت العيد ) لصاحبها :)

ما إن دخلت وسلمت على أهلي وجلست معهم على الشاطئ ، ولم أكمل فنجالي الثاني من القهوة بأسارير مُبتهجة علهم نسوا أو تناسوا - على الأقل - وعد الشوي ، إلا وجاءتني الأوامر بصيغة ملطفة

: ترى الفحم مشبوب عليه

نعم ، لقد شاهدته وأنا في طريقي ، وماذا عساهم أن يفعلوا به ؟ أيشعلونه للتدفئة مثلا !

نهضت وعلى خارجي ترتسم ملامح فارس سيخوض معركة حامية الوطيس بروح التضحية ، وفي داخلي صراع بين عقلي المقتنع بالعمل وشبح الكسل الذي يسكن بجواره ، وكأني بمبارزة بينهم بسيوف الحجج تدور رحاها في ساحة القلب !

سرت نحو المكان المخصص للشوي ، وهو مثبت في فناء الشاليه ولا يقبل التعديل ولا التبديل ، حاولت أن أجد لمشكلتي حل فما يفصل فناءنا عن فناء جيراننا سوى جدار خشبي وشجيرات صغيرة بالكاد تستر الصورة لتحجب الصوت.

بحثت وبحثت وبحثت فلم أهتدي لحل، فالجمر مشتعل والصاجة حارقة والقاعدة صلبة .. وعللت لنفسي ألا حل سوى أن أشغل نفسي برحى حرب ستعقد مع الدخان .. ذلك العدو اللدود الذي تقسم لو كان رجلا لقتلته، يجعلك تفكر ألف مرة قبل أن تقدم على الاقتراب منه فالرئة تطلق صفارات الإنذار المكونة من كحّات مُتعاقبة ، تزداد حدة كلما ازدادت هجمات الدخان، ناهيك عن ألغام حرارة الشبكة التي لابد أن تضع على أصابعك "علامات الجودة" عللت نفسي بهذا كله ، فأنا الفارس الهمام .. وهذه معركتي، ولا مناص من الإقدام :)

بدأت المعركة وشرعت مستعينًا بالله أعبء ذخيرتي الحية، ففتحت سلاح "الشبك" وبدأت بالأفخاذ ثم "بالثَّنَادِي = جزء الدجاجة الذي يكون أسفل الجناح وينتهي بالطقطوق ( القاموس الكبير، لباغي لهجة أهل الوشم وسدير ) *_^ " ووجهت السلاح نحو الجمر ووضعته على عجل وبحذر وكأنني جنديٌّ تسلل إلى خندق العدو وبدأ الدخان يتطاير ، وبدأت المعركة تنحرف نحو الكر والفر .. وكحكحات صفارات الإنذار بدأت بالعمل ، إلتجأتُ إلى سطح منخفض لألتقط أنفاسي لأعاود الكرة .. فمن يشعل النار فليصبر على أذاها !

وبتكتيك خاطف .. هجمتُ على الشبك لأقلبه وبعد انفجار لغم الحرارة في أصبعي قررت الاستعانة بمجموعة من المناديل تعمل عمل " البَيْزُ = قطعة من القماش مُحاكة بآلية معينة لتكون وسيطًا لإمساك الوعاء أو القِدْر الحار ( القاموس الكبير، لباغي لهجة أهل الوشم وسدير ) " وبحمد الله تكللت العملية بالنجاح.

وفي لجج هذه المعركة ، ما زال هناك مُشكلة لم تحل .. رغم أني لم أفعل أيّ خطأ إلا أن العائلة النجدية التي تسكن بجوارها أكاد أن أكون معهم في نفس الجلسة رغم أني حاولت بما أستطيع إلا أنّ الصوت لا يُحبس, وفيزيائيته تتحدى القدرة البشرية المجردة ، "حاولت بما أستطيع .. والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها"، بهذه العبارة أخذ عقلي يصوغ التبريرات كعادته ليهرب من سلطان الضمير ، وأحمد الله أن "سواليف" تلك العائلة لم تكن خاصة ليزداد التأنيب .. أعترف أني كنت أبتسم في كثير من الأوقات من بعض أحاديثهم في ظل استغراب الدخان ، وكأني به يعتقد بأني أستحقره فيزداد ضراوة ، كنت أعجب من هذه العائلة التي لا أعلم من هي ولا إلى أي الديار ترجع سوى تعميم عام بسبب اللهجة .. فالأسماء واحدة والتعليقات قريبة لدرجة المطابقة ، لدرجة أستطيع القول بأنهم هم أهلي لولا اختلاف الأسماء والأشباه !

أتذكر مما أتذكر ، عبدالله ابن أخي الذي لم يتم عامه الثالث من عمره حينما يشاكس عند الموقد ويتفنن في صياغة كتب "البثارة" ، وحينما أزجره يتوجه إلى الداخل وكأنه يعاود التخطيط للهجوم .. مره من المرات وهو متجه إلى الداخل رأى الفتحة الصغيرة الموجودة على الحاجز الخشبي الذي يفصلنا عنهم ، تقدم إليها وأنا أرقبه ، أخذ يختلس النظر من الفتحة التي بيننا ، انتبهوا له وأخذوا يلاعبونه ومن بينهم الحاجز، انشغلت عنه بهجمة جاءتني من الظهر وتفوح منا روائح الخيانة من الدخان ، فالتفت عليها غاضبًا فنعم نحن في معركة ، ولكن شيم الشهامة لا تتأثر بالظروف ، ولكن متى كان النبل في أرض الحروب ؟

وبينما أنا مع الدخان والحرب بيننا سجال جاءني ابن أخي مع غنيمته ، كيسة بطاطس "ليز" يحملها وعلى فيه قد ظهرت ملامح الأكل ، استغربت منه ، فلا أعلم عن شيء بالداخل .. فكل المأكولات هذه مع أهلي على الشاطئ فهذا وقت أكلها ! ولكن عرفت الآن المصدر ، وابتسمت .. أشرت بيدي معاتبًا له أن أعدها ، فكان يعود إلى مكان الفتحة وينظر إليّ ببراءة فأكتم ضحكة إن خرجت أعلن هذا الصغير على إثرها التمرّد، كان يذهب إلى الفتحة استجابة لما أقول له ثم يقف ويعود إلي ، استمر الوضع هكذا حتى أتى ابن أختي الذي يكبره بسنين ويفهم ، أخبرته أن يأخذ الكيسة ويعيدها لهم فأخذ الكيسة من عبدالله بلا مقاومة ، ثم اتجه إلى الفتحة وأعاد لهم الكيسة ولكنهم قالوا : وراك خذتها منه ؟ حنا عطيناه هدية ، فعلمت بأنّ ذلك الصغير قد كسب الجولة فصمت :)

استمر الوضع على ما هو عليه ، كانت تصلني بعض أحاديثهم دون طلب .. فعشاؤهم ذلك اليوم كان " نواشف = تطلق هذه التسمية على الوجبة التي تكون خفيفة ومكونة من النشويات والبقوليات مثل الجبن والفول والطحينة وغيرها وقد يستعمل معها المرقة حال الروقان ( القاموس الكبير* ) " .. أشياء بسيطة تدل على الجمال , وكذلك قصة صغار عائلتنا مع صغارهم تحتاج مُذكره لوحدها بعون الله .. ذكرتني إلى حد كبير بمذكرة سابقة كتبتها قبل أربع سنين !

عجبت من الوضع ، فدقائق ما يحصل لنا حينما نجتمع في البيت مع الأهل هي هي معهم ، فازداد يقيني بأننا مهما اختلفنا في الأسماء والأجناس فسيبقى شيء لا يختلف بين سكان البيئة الواحدة , فهم يتشاركون في دقائق عاداتهم وتفاصيل تقاليدهم ، كل ذلك يدفعني لأن أقول : أيّها الناس، كفوا عن التصنع، كفوا عن التمثيل، كلنا نعلم " البير وغطاه " ، كونوا فقط على سجيّتكم، كونوا فقط على طبيعتكم .. فهي التي تميّزكم عن الآخرين .. والذوات تكره مسوخ الشخصيات المتصنعة ، وفي قوانين الطبيعة .. العناصر التي تفقد خواصها وطبيعتها إمّا أن تصبح بلا قيمة أو تسبب كوارث قد تدمّر هذا الكون.

خالص الحب والدعاء
عُمر

تمّت
الإربعاء ٢٦ / ١٢ / ١٤٣٤ هـ
الساعة ١٢:٣٣ ظهرًا
وأنا أسير في مسعى الجامعة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق