الجمعة، 4 أكتوبر 2013

[ حكايَة قلب ]




[ حكايَة قلب ]

من قال بأنَّ القلوب صامتة ؟ من قال بأنّ هنالك هدوء مُطبق في أعماقنا ؟ من يقول كل ذلك فأقول له : يا صديقي أعد النظر !

القلوب عوالم غريبة عجيبة، مجهولة القوانين والأنظمة، لا يتّبعُ شُرَطهَا مسارًا معيّنا، فلا لغة للمنطق في سلطانها ، ولا توازن في حضرتها .. فطقوس العقل في حرم القلب .. سراب.

القلوب سفن لا أشرعة لها، تتحرك بمراوح العاطفة المثبتة في أسفلها، تسير في بحار الألغام بنسق فريد، يصعب على كلّ محلل تحليلها، فهي تتحدث بلغة صامته ولكن العيون تفضحها وحينما نريد الاستماع لتلك اللغة الساحرة يكفينا فقط أن نقول .. انظروا إلينا بصدق ولا وتحدثونا فحديث القلوب أصدق من تصديق الألسن الخاضعة لتحكم العقل.

مُدهشة تلك الأحداث التي كان أبطالها الأمهات بلا مُنازع، وكأنهم أسيادٌ تربعن على عروش القمة وسط تهليل الجموع، أتأمّل في المواقف واحدًا تلو الآخر فيزداد يقيني بما أكتب .. فحكايا القلوب في واد وحكاية قلب الأم في واد آخر.

أطيل النظر في أعينهن وهنّ يشاهدن أطفالهن، أرى الهالة النورانية التي تضيء رغم ظلام الساحل .. أرى فيض الحنان يتدفق زلاله برونق جذاب .. أرى تراتيل الأمومة تُتلى بقافية منمّقة.

هي الأم .. حكاية عجز الحاكون عن حكايتها بتفاصيلها المذهلة، هي رواية استسلم عن روايتها الراوون، هي قصة هي منحة إلهية لا تقرأ في سطور.

أتذكر مما أتذكر موقفين سأحكيهما مما شاهدت.

الأول : عن ماذا أتحدث وأنا أرى الولع العجيب في تخليد لحظات أبناءهن السعيدة، فما إن تفتح جوال إحداهن حتى تجد الخلفية أحد أبنائها ولا تسأل عن الأستوديو .. ففيه قصة مختلفة :)

الثاني : حدث لطيف ، في ظهيرة إحدى الأيَّام وبعد الغداء بدأ الحوار عن استئجار قارب .. لم أعر هذا الموضوع أيّ اهتمام وانشغلت بكتاب عزمت على إتمام قراءته ، فخرجت تاركًا إياهم في حوارهم يخوضون، انسجمت مع الكتاب وبدأت أبحر بين أمواج سطوره مدة من الزمن .. وبعدها يُفتح الباب وتأتي أختي لتتلو علي نتائج وتوصيات الاجتماع !

: بنروح إن شاء الله العصر، وتراك إذا ما عليك أمر بتودينا.

في وجه المدفع هكذا ومن دون أيّ مقدمات، اعترف بأني رفضت في بادئ الأمر ثم قبلت بعدها .. فإسعادهم هي الغاية في هذه الرحلة ، وبعد انتظار طويل تجسّد فيه ملامح الأخلاق العربية في الفوضى وعدم احترام المواعيد .. حقيقة لم أستغرب فلولاها لما لبثنا قرونا في مؤخرة الأمم !

ركبنا القارب أخيرًا ، كانت أختي بجانبي والصغار في المقدمة ومعهم ابنها الذي لم يتجاوز عامه السابع .. رغم المتعة والإثارة التي كانت تخيّم على الأجواء إلا أنها كانت منشغلة بابنها

: علي .. تمسّك ، عبدالعزيز انتبه لأخيك

فصمت مبتسمًا فكلّ القلوب في واد .. وقلب الأم في واد آخر

خاتمة الكلام .. لك أن تتخيّل ذلك المشهد ، الصحابة ومن حولهم الحبيب عليه صلوات الله وسلامه .. وينظرون إلى تلك المرأة التي فجع قلبها فأصبحت تهيم على وجهها بين السبي وكأن الجنون قد نزل بعقلها .. فلما وجدت ابنها ضمته وكأنها تريد إدخاله في جسدها فنظر إلى حالها النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " ما ظنكم بهذه، أتظنون بأنها ستلقي ولدها في النار ؟ " وكأني بالدهشة دفعت الصحابة للإجابة مسرعين : لا ، فقال بأبي وأمي : " لاالله أشد رحمة بعبده المؤمن من هذه بولدها "

فيالسعادة المؤمن.


عُمَر

تمّت
الجمعة ٢٨ / ١١ / ١٤٣٤ هـ
الساعة ٨:٣٤ مساءً
قبيل السفر بسويعات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق