الجمعة، 4 أكتوبر 2013

[ طيورٌ لا تقيّد ]




[ طيورٌ لا تقيّد ]

حينما تتأمّل في الطيور المحلقة بالسماء ، تتأمّل جمالها، رونقها، علوها وسموها ، تعجب من ذلك كله، نعم أنا أتفق .. ولكن الأجمل بوجهة نظري حينما ينظر من النافذة رجلٌ قد خيّم الحزن على خاطره ، وأقض مضجعه طول سنين سجنه .. ثم يأمّل في الأفق فيجد أسرابًا من الطيور المهاجرة تتراقص في جو السماء بحريّة. حينها سيعلم ذلك الرجل وكذلك قارئ هذه الأسطر .. ما معنى جمال الطيور!

الطيور التي تحلق دون قيد في السماء ، تغدوا خماصًا وتعود بطانًا ، لا تحمل بين خلجات قلبها هم الغد ولا حزن الماضي، لا لوعة اليوم ولا تعقيدات البشر .. هي هي بلا حركات ولا زخرفة، فقط حروف مجتمعة.

بينما أنا مُبحرٌ في حال الطيور وجمالها بعد رؤيتي للنورس الأسود الذي يمشط الساحل بحثًا عن طعامه، أرى أمامي أبناء وبنات أختي وأخي وهم يسبحون .. ابتسم حينما أتذكر كيف تحولوا إلى طحالب من كثرة ما سبحوا منذ أن وصلنا .. ربما الصحراء التي سلبتهم هذه النعمة هي السبب. ابتسم أكثر كلما وجدتهم يتنقلون من الماء إلى المراجيح ، دون كلل ولا ملل، كلما وجدتهم يتعاركون لأتفه الأسباب مُتجاهلا استغاثة أمهم للتدخل، كلما وجدت الصغار منهم يبتكرون حركات جديدة .. وتصرفات غريبة، كلما جاء أحدهم ليخبرني عن ماذا فعل وأنجز أو ليشي بما ارتكبه صاحبه ، ابتسم أكثر كلما وجدت الأنا الضائعة تسير معهم .. وكأن ذاكرتي شريط سينمائي تعاود نشر أحداث أيامي السابقة بمغامراتها ولكن بتغير الشخصيات فقط.

هو عالم الصغار .. لا تحده أطر العقل، ولا تعقيدات المنطق، ولا تكتب أحداثه بإملاءات الكيف ولماذا .. هو رسمة نسج جمالها بفرشة نقية على أوراق عذبة زكيّة. هو عالم يستعمل القيم المطلقة في رياضياته، فلا قيم لهم سوى الإيجابية ولا اختلاف بين سالب العلاقة وموجبها فالناتج واحد. هو عالم بلا أقفاص وإن ذُهّبَت، بلا مسؤوليات وإن جمِّلت، بلا هموم سوى للعبة لم يحصل عليها .. وأحلامهم الخاطئة المعنونة بـ " متى نصبح كبارًا ؟ " .. فالصغار هم ملح الحياة وجماله.

ما زلت أتذكر بعض تفاصيل أعمالهم وبالذات حينما أصبحوا أصدقاء بالكاد يتفرقون إلا للنوم أو الغذاء مع صغار العائلة النجدية التي تسكن بجوارنا، رغم أن بداية علاقتهم كانت مشكلة على إحدى المراجيح !

كذلك طلباتهم التي تتجدد ولا تنضب، وكأنها تتربع على مخزون من خيال لا محدود .. فمن البحر للمراجيح لطلبات ركوب الخيل أو القارب البحري ، إلى طلبات الأكل والجوال ووو .. هي لا تنتهي كما قلت.

لا أستغرب أبدًا وابتسم أكثر كلما تذكرت موقفًا حصل لي وأنا صغير, حينما كنت أبيت مع أبي في بيتنا بعودة سدير ، عندما كنا مستلقين قي فناء البيت وأخبر أبي بأحلامي وهو لا يزيد عن الابتسامة بثغر "المسلّك" بسبب النعاس الذي غلبه، لا زلت أتذكر حينما قلت له يومًا : يبه، ودي بجهاز كبر اليد وفيه أزار كثيرة وإذا ضغطت كل زر يطلع لي اللي تبي، ابتسم جدًا عندما لا أتذكر متى كان عمري بالضبط .. فكل ما أتذكره بأنها كانت من مجموعة الذكريات القليلة التي بالكاد أعدها من ذكريات ما قبل الدراسة.

أعود لمشهد الصغار وأقول في نفسي بصوت لا يُسمع .. أرجوكم لا تتطلعوا إلى لكبر ، عيشوا دقائق حياتكم دون تمني للمستقبل ولا حزن على الماضي - إن كنت تمتلكونه أصلا - .. لا تفرطوا بجمال لحظاتكم هذه فستغدوا يومًا ما مجرد ذكرى، عجلة الأيَّام يا صغاري تتهاوى من جبل القدر بسرعة مذهلة .. فإيّاكم أن تسبق نفوسكم تلك العجلة ، ولا تلتفتوا لأقوال الحكمة والعقل .. فلقد اخترعها الشيوخ الكبار ليخفوا بها عجزهم. ولكن تذكروا بأنَّ الطيور وإن كانت حرة يفترس كبيرها الصغير، ولا تهاجر إلا هربًا من الواقع .. فلا تظنوا بأنّ هنالك حياة بحريّة مطلقة، أو بسعادة لا منتهية فلولا الأضداد لما عرفت الأشياء، فعيشوا كل لحظة بتفاصيلها .. فالعمر ينفد بسرعة.

عُمَر

تمّت
يوم الخميس ٢٧ / ١٢ / ١٤٣٤هـ
الساعة ١٠:٣٥ صباحًا
قبيل السفر للحج بيومين
في مكتبة الحاسب بانتظار المحاضرة القادمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق